رئيس حزب الاتحاد الديغولي الجمهوري: النظام الجزائري يحتاج إلى فرنسا كـ"عدو مفيد" أكثر مما يحتاجها كشريك واقعي.. وخطاب التخوين والقطيعة يوفّر له هامشا إضافيا للاستمرار في السلطة

 رئيس حزب الاتحاد الديغولي الجمهوري: النظام الجزائري يحتاج إلى فرنسا كـ"عدو مفيد" أكثر مما يحتاجها كشريك واقعي.. وخطاب التخوين والقطيعة يوفّر له هامشا إضافيا للاستمرار في السلطة
الصحيفة - خولة اجعيفري
الأربعاء 7 يناير 2026 - 21:45

اختار إيريك سيوتي، رئيس حزب الاتحاد الديغولي الجمهوري (UDR) والرئيس السابق لحزب الجمهوريين، تصعيد نبرته بشكل لافت تجاه الجزائر، حين وصف النظام الجزائري بشكل مباشر بأنه "ديكتاتورية" مؤكدا أنه "لا توجد كلمة أخرى" يمكن أن تصفه وذلك في لحظة سياسية تتسم بتوتر متزايد في العلاقات بين باريس والجزائر تجعل منه بمثابة إعلان موقف سياسي صريح يدعو إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين البلدين على أساس مختلف عمّا كان سائدا في السابق.

الرئيس الحالي لحزب الاتحاد الديغولي الجمهوري (UDR) والرئيس السابق للجمهوريين، لم يلجأ إلى لغة دبلوماسية حذرة ولا إلى التوازنات المعتادة حين صار الملف الجزائري على الطاولة، بل اختار تعبيرا قاطعا قال فيها "إنها ديكتاتورية، ولا توجد كلمة أخرى"، داعيا إلى "الصرامة" و"القوة" في التعامل مع السلطات الجزائرية، بحجة دفعها إلى "تحمّل مسؤولياتها".

جاء ذلك خلال استضافى سيوتي، في برنامج "La France en Face" الذي تقدّمه لورانس فيراري وسونيا مبروك على قناة أوروبا 1، حيث انطلق من ملاحظة باتت شبه مُسلَّم بها في جزء من الطبقة السياسية الفرنسية وهي أن العلاقات مع الجزائر غير متكافئة، والخطابات الرسمية الصادرة عن باريس كانت "قوية" في الشكل، لكن الأفعال "ضعيفة جدا" في الجوهر.

بالنسبة له، هذا الاختلال سمح للسلطات الجزائرية بإدامة وضع يسوده التوتر والتحكّم في مستوى التصعيد بحسب اللحظة السياسية الداخلية، دون أن تدفع ثمنا حقيقيا على المستوى الثنائي ومن هنا، طرح سيوتي فكرة أن زمن المجاملات انتهى، وأن "الحزم" وحده كفيل بإجبار الجزائر على "تحمّل مسؤولياتها"، من دون أن يحدّد حدود هذه القوة ولا أدواتها لكنه لمّح إلى تشديد الموقف في الملفات السياسية والحقوقية والاقتصادية.

الجزء الأكثر حساسية في تصريحه، يتعلق بتوصيفه لطبيعة النظام الجزائري وآليات اشتغاله فسيوتي يضع ما يسميه "كراهية فرنسا" في قلب معادلات السلطة بالجزائر، معتبرا أن "طبقة سياسية" تحافظ على بقائها في الحكم "ضد الشعب" عبر الاستثمار في "ريع الذاكرة" أي تحويل ملف الاستعمار إلى رصيد تعبوي دائم، يُستدعى في كل أزمة داخلية أو توتر اجتماعي.

وبهذا المعنى، عرض سيوتي قراءة شاملة تقول إن النظام يحتاج إلى فرنسا كـ"عدو مفيد" أكثر مما يحتاجها كشريك واقعي، وإن خطاب التخوين والقطيعة يوفّر له هامشا إضافيا للاستمرار.

لكن هذه القطيعة الخطابية لا يمكن فصلها عن تراكم وقائع محددة خلال الأشهر الماضية فتصويت البرلمان الجزائري بالإجماع، على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي ويصفه بـ"جريمة دولة"، ويطالب باعتذار رسمي من باريس لم يُقرأ في فرنسا بوصفه خطوة في مسار تصفية الذاكرة بقدر ما اعتُبر جزءا من استراتيجية "تأزيم مبرمج" مع المستعمر السابق، في لحظة تشهد أصلا توترا متصاعدا في ملفات الهجرة والتعاون الأمني ودور كل طرف في الساحل.

وهذا القانون، الذي يصنَّف ضمن "القوانين الذاكرية" ويحمل شحنة رمزية ثقيلة، فُسِّر في أوساط يمينية ويمينية متطرفة فرنسية كنوع من "الإدانة الشاملة لفرنسا التاريخية"، وضاعف شعورا قديما لدى جزء من الرأي العام بأن الجزائر لا تريد طيّ الصفحة بل إعادة فتحها بشروطها الخاصة.

في السياق نفسه، جاءت قضية الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، الذي حُكم عليه في الجزائر بسبع سنوات سجنا بتهم من بينها "الإشادة بالإرهاب"، لتصبّ مزيدا من الزيت على نار التوتر .

فغليز، الذي كان يُنجز تحقيقا حول نادٍ كروي في منطقة القبائل وأُخذ عليه الاتصال بأشخاص يشتبه في صلتهم بحركة استقلالية مصنّفة "إرهابية" من طرف الجزائر بات في فرنسا رمزا مزدوجا لصحفي "يُعاقَب على ممارسته مهنته"، وفق منظمات مثل مراسلون بلا حدود، ورمزا أيضا لاستخدام القضاء كأداة سياسية في إدارة العلاقة مع باريس.

وتعاظم الاهتمام بقضيته مع تأكيد الحكم عليه في الاستئناف، ومع تحركات عائلته وزملائه ومساندة جزء من عالم كرة القدم الفرنسي، وصولا إلى تدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في الكواليس واستنفار دبلوماسي فرنسي يسعى إلى مخرج، ربما في شكل عفو رئاسي جزائري، على غرار ما حدث مع الكاتب بوعلام صنصال.

هنا تلتقي مفردات سيوتي مع قاموس صدى لها في الضفة الأخرى من المتوسط، ولكن هذه المرة على لسان معارضين جزائريين أو كتاب يعيشون بين البلدين فالروائي بوعلام صنصال، الذي أُفرج عنه بعفو رئاسي بعد سنة من الاعتقال في الجزائر لم يتردد هو الآخر في وصف النظام بأنه "ديكتاتورية، شريرة وقاسية"، منتقدا ما يعتبره "غلظة السلطة" وعجزها عن "تبني سلوك أقل فظاظة"، ومشيرا إلى أن كل شيء في الجزائر صار "طابو بما فيها الإسلام، التاريخ، الذاكرة".

وفي مداخلته على موجات الإذاعة الفرنسية على خلفية تأييد حكم السجن ضد غليز، ذهب صنصال أبعد من التشخيص، حين تحدث عن "مسخرة قضائية" وعن نظام يحاول إذلال الصحافي الفرنسي وإرسال رسالة سياسية مزدوجة إلى الداخل والخارج.

وهذا التوازي في النبرة بين سيوتي وصنصال يخلق مشهدا غير مألوف بين زعيم يميني فرنسي ومعارض جزائري يلتقيان من موقعين مختلفين على توصيف واحد للنظام الجزائري بـ"الديكتاتورية" لكن دوافعهما ليست متطابقة فسيوتي يوظف هذه اللغة في معركة سياسية داخلية، ضد ما يراه تردّدا في سياسة الإليزيه بينما صنصال يتحدث من موقع السجين السابق، الذي يُنذر بمصير "المعتقلين السياسيين" داخل بلده.

مع ذلك، يُقوّي هذا التشابك السردية التي تروّج لها دوائر يمينية في فرنسا عن "نظام منغلق" يستثمر في كراهية فرنسا وفي القمع الداخلي في آن واحد، ويجعل من الدفاع عن الصحافيين والكتاب ذريعة إضافية للمطالبة بـ"التشدد" في الملفات الثنائية.

في خلفية هذا كله، يطفو على السطح ملف آخر لا يقل حساسية وهو الصحراء المغربية، فالعلاقة الفرنسية الجزائرية لا تدور حول الذاكرة وحدها ولا حول ملف الحريات، بل أيضا حول إعادة رسم موازين القوى في شمال إفريقيا والساحل.

الجزائر تضع قضية الصحراء في قلب سياستها الإقليمية، عبر دعم جبهة البوليساريو الانفصالية واعتبار النزاع مسألة "تصفية استعمار"، بينما تحاول باريس منذ سنوات إدارة توازن صعب بين رغبتها في الحفاظ على علاقة استراتيجية مع الرباط، التي تعتبرها شريكا محوريا في الساحل والأمن والهجرة واعترافها أخيرا بمغربية الصحراء وترافعها على الملف في المحافل الدولية، وبين حرصها على عدم قطع الخيوط مع الجزائر.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، خلف هذا التصعيد اللفظي، هو مدى قدرة باريس على الانتقال فعلا إلى سياسة "قوة" في فضاء متداخل المصالح والاعتمادات المتبادلة. فالجزائر، رغم خطابها الحاد، لا تستطيع الاستغناء عن فرنسا اقتصاديا وتكنولوجيا وماليا، كما يذكّر بذلك صنصال نفسه حين يقول إن "الجزائر لا يمكنها أن تعيش من دون فرنسا"، في إشارة إلى شبكة المصالح المتشابكة بين البلدين، من الجالية الكبيرة في فرنسا إلى الاستثمارات والتبادل التجاري.

وفي المقابل، تدرك باريس أن القطيعة مع الجزائر تحمل كلفة استراتيجية، سواء في ملفات الطاقة أو في إدارة الهجرة والتعاون الأمني في فضاء الساحل، في لحظة تنزاح فيها موازين النفوذ لصالح قوى أخرى، من روسيا إلى تركيا.

وتكشف تصريحات سيوتي عن صدع داخل النقاش الفرنسي حول كيفية التعامل مع الجزائر بين خط يُصرّ على مواصلة سياسة "اليد الممدودة" ومحاولة ترميم علاقة متآكلة، وخط آخر يدعو إلى القطيعة مع ما يراه "ابتزازا تاريخيا وسياسيا" وإلى اصطفاف أوضح مع شركاء آخرين في المنطقة، وفي مقدمتهم المغرب.

بيننا.. وبينهم !

وفق معطيات حصلت عليها "الصحيفة" فقد دخل المغرب من 18 دجنبر الماضي إلى تاريخ 4 الجاري حوالي 57 ألف جزائري قادمين من مختلف دول العالم، خصوصا من الجالية الجزائرية في ...

استطلاع رأي

ما هو أفضل جمهور لمنتخبات شمال إفريقيا في "كان بالمغرب"؟

Loading...